الحكيم الترمذي
109
أدب النفس
ورجل أخذته حمية الإيمان ، فغار لربه ، فخرج يقصد محاربة عدو ربه انتقاما وتعظيما على عدوه ، أو رجل أيس من نفسه ، أن يخرج منه خير ينجو به ، ورأى قبح مذاهبه ، وسوء فعاله ، فضاق به الأمر من شراهة نفسه ، وقلة ضبطه لها ، فاغتاظ منها ، وحمى لربه على نفسه ومقتها ، وهاله عظيم خطره منها ، فقدمها إلى العدو لتحاربه ، لعله أن يرزق الشهادة فيقتل ، ويغسّل بدمه سائر جسده ، حتى يلقى اللّه تعالى طاهرا من أقذار المعاصي . فهذا رجل خرج بهذه النية ، أو بتلك النية التي غار بها لربه وحمى له ، وهو أرفع درجة من هذا الذي برم بنفسه ، وأراد التطهر ، فلما لقى أحد هذين العدوّ ، ونهمته في عامة مسيره المحاربة - إمّا غيرة لربه وحمية ، وإمّا تطهيرا لبدنه ، والظفر بالشهادة - ظهر منه صدق اللقاء ، فبادر وحارب وجاهد ، فلم يلبث أن صار قتيلا ، وبالدماء مزمولا ، وتبددت أعضاؤه من الضرب والطعن ، وتبدد سلاحه هكذا ، وهكذا ، من نهبة العدو ، وأخذت دوابه وجميع ما هناك ، وتقبل اللّه روحه ، فجعله حيّا يرزقه عنده ، فرحا مستبشرا بما آتاه اللّه من فضله ، كما وصف تعالى في تنزيله